ابن كثير
232
البداية والنهاية
مات ليلة السبت ، وقيل ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، عن خمس ، وقيل سبع وأربعين سنة . وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة . وهذه ترجمته هو هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، القرشي الهاشمي ، أبو محمد ، ويقال أبو جعفر . وأمه الخيزران أم ولد . كان مولده في شوال سنة ست وقيل سبع ، وقيل ثمان وأربعين ومائة ، وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة ، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة ، بعهد من أبيه المهدي . روى الحديث عن أبيه وجده ، وحدث عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا النار ولو بشق تمرة " ( 1 ) . أورده وهو على المنبر وهو يخطب الناس ، وقد حدث عنه ابنه وسليمان الهاشمي والد إسحاق ، ونباتة بن عمرو . وكان الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا ، وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا ، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية ، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا وخوفا شديدا ، وكان الصلح مع امرأة ليون وهي الملقبة بأغسطه على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام ، ففرح المسلمون بذلك ، وكان هذا هو الذي حدا أباه على البيعة له بعد أخيه في سنة وستين ومائة ، ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة سبعين كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوا وحجا ، ولهذا قال فيه أبو السعلي ( 2 ) : فمن يطلب لقاءك أو يرده * فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر * وفي أرض الترفه ( 3 ) فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق * من المتخلفين على الأمور وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم ، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة ، وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء ، فإنه كان سريع العطاء جزيله ، وكان يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم ، ولا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب والزكاة والرقاق والتوحيد ، ومسلم في الزكاة ح ( 66 - 67 - 68 - 70 ) والترمذي في القيامة ( 1 ) والزهد ( 37 ) والنسائي والدارمي في الزكاة وابن ماجة في المقدمة ( 13 ) والزكاة ( 38 ) وأحمد في المسند 1 / 288 ، 446 و 4 / 256 ، 358 ، 6 / 79 ، 138 . ( 2 ) في الطبري 10 / 99 : أبو المعالي الكلابي . ( 3 ) في فوات الوفيات 4 / 225 : الثنية .